[ وأتيتُ يوماً إليك.. ]

daily1.5143681

“ياموسم اللّذاتِ غالتْك النوى /// بعدي .. فربعُك للصبابة موسمُ”

غازي، من مقدمة كتابه: المواسم.

؛

لا أتذكّرُ جيّداً هل أعلنتُ هذا الأمر من قبل أم لأ، لا يهمّ ففي التكرار زيادةُ تأكيد: أُسست هذه المدوّنة على أساس الحديث عن أمرين:

- بعض الملاحظات/التحليلات/الرؤى المتعلقة بمجال الاتصال/التسويق/الدعاية والإعلان بشكل عام.

- خمسون شيئاً كان لها أثر على حياتي – القصيرة – .

؛

خلال الفترة الماضية، كنتُ متردداً بأي الخمسين أبدأ؟ كانت اللستة تحوي أكثر من ذلك، دمجتُ بعض المواضيع، وحذفت آخر، وقدّمتُ وأخّرت، كانت الفكرة أن تلك الخمسين تعني شيئاً بالنسبة لي، والترتيب في طرح هذه الأشياء والحديث عنها، لا يعني أولويتها أو أهميّتها، فهي تحلّ في درجة واحدة من الأهميّة، والاهتمام.

؛

لا أتذكّر جيّداً متى كانت علاقتي الأولى مع الدكتور غازي القصيبي – أسأل الله له المغفرة – أظنّ أنها كانت في المتوسطة، ولا أعرف حقيقةً ما الكتاب الذي قرأت، وتعلّقتُ – بكلّ – ما كتب غازي، لا أجزمُ أني قرأت [ كل ] ما كتب.. لكني أعرف حقيقةً أني [ لم أترك ] شيئاً أمامي ويحمل اسم غازي إلا والتهمته! ومكتبتي تحوي ثلاثة رفوف، جميع إصدارات غازي وبعضها بأكثر من طبعة، كأكثر كاتب يحلّ ضيفاً خفيفاً على مكتبتي المتواضعة.

تعرّفتُ على غازي الروائي، غازي الشاعر، غازي الكاتب، وبعدها بسنوات، دُعيتُ إلى مأدبة عشاء، وتعرّفت حينها على غازي الإنسان! كانت تلك الجلسة هي الأولى -والأخيرة- لكنّ تفاصيلها لم تزل عالقة حتى هذه اللحطة!

؛

أحببتُ غازي الشاعر كثيراً، ولم يرق لي غازي الروائي، وألفيتُ أنه كاتبٌ نادر/ساخر، وإنسان يحمل هموم الوطن، إنسانٌ سابقٌ لزمانه! كنت أقرأ في حروفه حُرقة ليست مصطنعة، وأعرفُ جيّداً من يبكي دموع تماسيح، ومن تمتلأ عيناه دموعاً، ولا تسقط!

؛

في كتابهِ [ المواسم ]، الكتاب الذي تنبأ فيه بقرب موته، بعد أن فقد جُل أشقائه وشقيقاته في ذلك العام، أتذكر أني قرأت الكتاب في الطائرة، وأنا عائد من رحلة عمل .. بكيتُ طويلاً، حينما قرأت مقدمة الكتاب، وكأني عرفت ما يريد أن يقول، في تلك المقدمة.. باختصار: أنا انتهيت!

“ تصحو متثاقلا، وتتخيل في نظرات الذين يحبونك إشفاقًا لم يكن يسكنها. حسنا، دعكَ من الآخرين ونظراتهم، هي صدمة الشيخوخة جاءت بعد ربع قرن من الصدمة الأولى. صدمةِ منتصف العمر. والفرق بين الصدمتين شاسع جدًا.

أما الآن، وفي الخامسة والستين، فبلاؤك في الروح. وهل هناك فارقٌ بين الروح والنفس؟ هذا موضوع عويص مزلّة أقلامٍ وأفهام. يكفي أن تقول إن الروح – في هذا السياق – سر الحياة، أما النفس فميدانها. مايؤلم الروح يخنق الحياة نفسها، أما مايؤذي النفس فيُضِر بتجلياتها. أزمتكَ أزمة روح وأزمة جسد. أزمة روح تململت في سجن الجسد، وأزمة جسد أضناه تململُ الروح. لا! أستغفر الله، لا ينبغي أن تقول هذا، ستضطرب روحك في جسدك ماشاء الله أن تضطرب. وستهجره عندما يشاء الله أن تهجره. ليس لك من شؤون الحياة والموت شيء. له الخلق والأمر، له مايعطي وله ما يأخذ. لا رادّ ولا معقب. وله الحمد في الدنيا والآخرة.

ترى الرجل يبتسم لك ابتسامةً كبيرة، بعد أن سقاكَ شربةَ عسلٍ ممزوجة بالسمّ. تتظاهر بالسعادة وأنت تشربها. ترى الرجل الذي يعانقك، وأنت تعرف أنه كان يشتمك وراء ظهرك قبل دقائق، وتعانقه. تجزي – كما قال صاحبك القديم – ” على ابتسامٍ بابتسام”. ترى الرجل الذي يكرهك بتطرف. وترى الرجل الذي يحبك بغلوّ. وأنت تعرف أنك لم تفعل معشار مايتصوره الذي يكرهك من شر، ولا معشار الذي يحبك من خير.

حياتك العامة تناقض تماما حياتك الداخلية، “الجوانية” كما يقول توفيق الحكيم. حتى إنك لتعتقد، أحيانا، أنكما رجلان منفصلان. رجل للتصريحات والاحتفالات والمناسبات والقرارات والمواجهات. ورجلٌ للوحدة والهدوء والقراءة والكتابة والتأمّل. لا أحد يعرفك حقّ المعرفة سوى زوجتك، التي تستطيع قراءتك كما تقرأ كتابا مفتوحا على مصراعيه.

وكنتَ أنت، بين الحين والحين، تلجأ إلى الابتزاز: “لو كانت أمي حية لما حصل لي هذا !!” وكانت هذه جملة قاسية، مفرطة في قسوتها. كفيلة – كل مرة – بجعل الدموع تسيل من عيني جدتِك. والذين يعتقدون أن الأطفال الصغار لا يعرفون القسوة لا يعرفون شيئا عن الأطفال الصغار.

تحمد الله الذي أقرّ عينك بأولادك وأحفادك. والوحدة العائلية التي تتمنى أن تدوم. وتدعو الله أن يرزق الأولاد والأحفاد من الإيمان مايجعلهم قادرين على المرور بمواسم الحياة كلها، الحلوة والمرة، بكثير من الرضا والاطمئنان”

؛

غازي، كان لهُ أثر.. وكفى!

* الصورة من تعديلي ببرنامج الإليستريتور.

** كل الشكر للأخت منى المهدي على كتابة النصّ أعلاه.

تحديث: بعض الكتب التي تحويها مكتبتي، وهي التجربة الأولى للكاميرة الجديدة، والتجربة الأولى كذلك لاستخدام الآيباد في نقل،وتحرير، ونشر الصور!

40274_491106784987_771409987_6957139_523835_n

45194_491107169987_771409987_6957142_1321768_n

45379_491107244987_771409987_6957144_6810128_n

45681_491107079987_771409987_6957141_880078_n

14 من التعليقات لـ “[ وأتيتُ يوماً إليك.. ]”

  1. ممدوح قال:

    رحمه الله وغفر له ………… وله في كل قلب سعودي قصة مختلفة

  2. خالد قال:

    رحمه الله

  3. قصي قال:

    بدون تعليق سوى
    :,(

    أنا لله وانا اليه راجعون

  4. أحفظ هذا المقطع عن ظهر قلب ..

    رحمه الله وموتى المسلمين ..

  5. حنان الشرقي قال:

    رحمه الله و أدخله فسيح جناته ورحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه

  6. احلام محمد قال:

    :”(
    رحمه الله وغفر له

  7. كنت دائما أمني نفسي بأن يترك غازي العمل الإداري والحكومي ويتفرغ للإنتاج الفكري والأدبي. كنت أؤمن أنه لو قدر لهذا الرجل أن يتفرغ بشكل كامل للكتابة, بعد كل هذا الرصيد المذهل من التجارب, فإنه سوف يأتي بما لم يأت به الأوائل.

    لكن قدر الله وماشاء فعل ..  

    رحم الله غازي وغفر له وأسكنه فسيح جناته.

  8. عبدالرحمن السلامه قال:

    قدم الى ما عمل

  9. الله يرحم موتانا وموتى المسلمين..
    سعود، أضف إلى التجربة أنه كاتب يملك قلم جميل جداً، كثير ممن يملكون تجارب لا يملكون أقلاماً :)

  10. تركي الخلف قال:

    رحمه الله وغفر له

    مقال جميل جدا .. شكرا لك أ. إبراهيم ;)

  11. إيه! رحمك الله يا غازي. سنفتقدك كثيرا. :”(
    تدوينة جميلة، استمتعت بقراءتها.

  12. إيمان .ع قال:

    أتذكر إني قرأت كتابه ( حياة في الإدارة ) في ثاني ترم لي في الجامعة

    على أمل أن أستفيد منه خلال مسيرتي الدراسية بحكم أن تخصصي هو الإدارة ..

    بصرآحة آستمتعت بالحس الإنساني في الكتاب أكثر من المواقف والحالات الإدارية كوني حديثة عهد بالإدارة ..

    لكن بعدها بأربع سنوات .. وضمن متطلبات التخرج أن نقوم بتلخيص كتاب إداري .. قمنا بتلخيص الكتاب وعرضه أمام مجموعتنا .. وباغتتنا الدكتورة بسؤال : لماذا اخترتم هذا الكتاب بالذات ؟

    كآنت إجابتي : أننا تشبعنا بالدراسة النظرية البحتة خلال أربع سنوات عن مبادئ الإدارة ونظريات تنظيم العمل إلا إن هذا الكتاب يعرض الإدارة بالطريقة التي تجعلها واقعيةً قدر الإمكآن كما أنه متضمن لحالات إدارية حيث لا مجال للمثالية والمواقف الأفلاطونية

    رحمك الله يا غازي ،،

  13. وجد الآمال قال:

    أسعد الله أوقاتك…
    جميل ماعرضت والأجمل ان تكمل الخمسين( بعيدا عن الأقافة) فقد هي فكرة رائعة ان يسجل الواحد منا العوامل التي لمست أعماقه وغيرت فيه…
    بكل صدق الاسلوب السلس في الطرح يشدك إلى قراأة المزيد..
    لكل منا كل الشكر…

  14. تركي الخلف، القطوية، إيمان.ع ، وجد الآمال،
    الله يجعل ايامكم كلها خير وبركة، شكراً لكم على مروركم الجميل..

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

(مطلوب)

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>